مملوءة الحسنة
السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ.
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
وأُصلّي وأُسلّم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعدُ،
فإنه لَمِن دواعي الفخر والاعتزاز أن نلتقي اليوم في هذا الحفل الكريم بمناسبة الاحتفاء بـ اليوم العالمي للغة العربية، تحت الشعار
“آفاق مبتكرة للغة العربية: ممارسات ترسم مستقبلاً باهراً.”
أيها الحضور الكرام…
إن اختيار هذا الموضوع لم يأتِ من فراغ، بل جاء ليؤكد أن اللغة العربية—لغة الضاد، ولغة القرآن الكريم—ليست مجرد تراث نعتز به فحسب، بل هي لغة حيّة، نابضة، قادرة على مواكبة العصر وصناعة المستقبل.
فاللغة العربية عبر تاريخها العريق كانت ولا تزال وعاءً للعلم والمعرفة، وأداةً لصياغة حضارة إنسانية مشرقة. واليوم، ونحن نعيش في عصر الثورة الرقمية والتسارع التكنولوجي، أصبحت الحاجة ماسّة إلى تجديد طرق تعليمها وتعلمها، وتوسيع آفاق استخدامها في المجالات الحديثة.
أيها الأفاضل…
إن عبارة “آفاق مبتكرة“ تدعونا إلى أن نخرج باللغة العربية من الإطار التقليدي إلى فضاء الإبداع والابتكار.
وأن ننقل تعلّم العربية من حفظ القواعد والتمارين الجافة، إلى ممارسات تدمج التقنية، والتفاعل، والتفكير النقدي، والتواصل الحقيقي.
كما أن عبارة “ممارسات ترسم مستقبلاً باهراً“ تؤكد أن مستقبل العربية مرهون بالأساليب التي نعتمدها اليوم في تعليمها. فإن أحسنا تعليمها، وجعلناها لغة حيّة على ألسنة الناشئة، محبّبة في قلوبهم، قادرة على التعبير عن قضايا عصرهم، فإن المستقبل سيكون لها لا محالة.
أيها الحضور الكريم…
في سياقنا الإندونيسي، تكتسب اللغة العربية مكانة خاصة، فهي لغة الدين، ولغة الثقافة الإسلامية، ولغة التواصل بين إندونيسيا والعالم العربي. كما أنها تفتح آفاقاً واسعة في مجالات التعليم، والبحث العلمي، والدبلوماسية، والعمل.
ومن هنا، فإن تطوير تعليم العربية في مدارسنا وجامعاتنا ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة حضارية.
ولتحقيق هذا المستقبل الباهر، لا بد من اعتماد ممارسات مبتكرة، من أبرزها:
أولاً: توظيف التكنولوجيا الحديثة في تعليم العربية، كالمنصات الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والمحاكاة التفاعلية، والصوتيات المرئية.
ثانياً: اعتماد المناهج التواصلية والوظيفية، وربط العربية بواقع المتعلمين واهتماماتهم.
ثالثاً: تشجيع الإبداع اللغوي عبر إنتاج محتوى عربي حديث: مقاطع فيديو، مدونات، بودكاست، قصص قصيرة، ومشروعات رقمية.
رابعاً: تعزيز البحث العلمي باللغة العربية، وتوسيع التعاون مع الجامعات العربية والعالم الإسلامي.
خامساً: الاستثمار في تدريب المعلمين وتطوير مهاراتهم، بوصفهم حجر الزاوية في نهضة اللغة العربية.
إن هذه الممارسات ليست أحلاماً بعيدة، بل خطوات واقعية يمكن البدء بها اليوم، لتكون العربية لغة حاضرة في مستقبل التعليم والإعلام والاقتصاد والثقافة.
أيها السادة والسيدات…
إن احتفاءنا اليوم ليس مجرد احتفال رمزي، بل هو رسالة التزام:
التزامٌ بأن نحافظ على لغتنا العربية، وأن نُنمّيها، وأن نُبدع في تدريسها وتعلمها، وأن نمنحها المكانة التي تستحقها بين لغات العالم.
فاللغةُ حياةٌ وهوية، وروحُ أمة، وجسرٌ يصل ماضيها بمستقبلها.
وفي الختام، نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لخدمة اللغة العربية، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يلهم أبناءنا حبَّ هذه اللغة المباركة.
والسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ.





